النشرة الثقافية لاتحاد وكالات الانباء العربية /فانا/./ إضافة أولى

* * * علاء الدين حمدي، الشاب الذي أنقذ حياة عدد من السياح : “عشقي للمتحف لامتناه، ولا أتخيل العيش بعيدا عنه” ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ تونس /وات/ من ريم قاسم/ : يستعيد علاء الدين ما تبقى في ذاكرته من حادثة الاعتداء الارهابي على متحف باردو، ويرفع نظره إلى السماء قائلا “المتحف جزء مني لا أتخيل العيش بعيدا عنه، أحس بسعادة كبيرة حين أتجول في مختلف قاعاته وأروقته، وحتى يوم راحتي الأسبوعية أشعر بالملل، فحبي لهذا المكان لامتناه”.

لم يكن علاء الدين حمدي، يظن يوما أنه سيعيش موقفا بمثل تلك الخطورة، حين داهم الإرهابيون المتحف الوطني بباردو يوم 18 مارس 2015، واعتدوا على زائريه، في عملية خلفت 21 ضحية من السياح الأجانب، واستشهاد الملازم، أيمن مرجان، من الفوج الوطني لمكافحة الإرهاب.

تلك الحادثة التي اهتزت لها تونس وعدد من البلدان العربية والأجنبية، سجلت عملا بطوليا لهذا الشاب ذي الـ23 ربيعا، والذي يعمل “مراقب قاعة” بالمتحف، إذ ساهم في إنقاذ ما لا يقل عن 50 سائحا بين تونسيين وأجانب، وتمكن بحكم معرفته الدقيقة بزوايا المتحف، من مساعدة الفرق الأمنية، التي حلت بالمكان، على إجلاء الزائرين.

عادة يوم الاربعاء، هو يوم الراحة الأسبوعية لعلاء، ولكنه يوم الاربعاء 18 مارس 2015، جاء إلى المتحف باعتباره كان اليوم الختامي لدورة تكوينية في الإسعافات الأولية، كان يتلقاها رفقة زملائه. وبمجرد انتهاء الحصة التدريبية أراد التجول في أرجاء المتحف، خاصة وقد حلت بالمكان مجموعة كبيرة من السياح، يتجاوز عددهم الألف، قادمين من ميناء حلق الوادي.

التحق علاء بالمتحف في أكتوبر 2012 بعد بلوغ والده الذي يشتغل عاملا بالمتحف، سن التقاعد، إثر عطل مرض طويلة المدى استمرت 3 سنوات. كان آنذاك يدرس بالسنة الرابعة ثانوي، وقد واظب على مراجعة الدروس، واجتاز مناظرة الباكالوريا في العام ذاته، إلا أن النجاح لم يكن حليفه.

حرص هذا الشاب الذي ينحدر من حي التضامن، أكثر الأحياء الشعبية كثافة في تونس، على النجاح، جعله يتابع دروسا في الانقليزية والايطالية، إلى جانب إتقانه للفرنسية والاسبانية، وهو يواصل حاليا متابعة تكوين في اللغة الروسية، إيمانا منه بانفتاح السوق التونسية قريبا على روسيا.

تعدد اللغات، هو مكسب يساعده على القيام بدور الدليل السياحي أحيانا، إذا ما توفرت له الفرصة لمرافقة وفود أجنبية، سواء في أروقة المتحف أو في أزقة مدينة تونس العتيقة التي يستمتع برواية تاريخ أماكنها بتفاصيله.

ولتوفير تكاليف هذه الدورات التدريبية، يضطر علاء أحيانا إلى تخصيص أيام عطله للعمل في حضائر البناء، أو كمترجم أحيانا، أو مرافق لبعض الوفود الأجنبية.

ولدى التحاقه حوالي منتصف نهار يوم 18 مارس 2015 بالقاعة الكبرى بالمتحف لمرافقة بعض الوافدين على المكان، فوجئ بطلقات الرصاص، وبهرولة عدد من الزائرين في حالة هلع كبير.

“لقد كانت صدمة كبرى بالنسبة لي، ظننت أن سقف المتحف سينهار فوق رؤوسنا من شدة دوي طلقات الرصاص، بقيت مذهولا، ولم استفق إلا حين شاهدت أحد زملائي يمر بجانبي وهو يركض، حينها كان الإرهابيون /ولم نكن ندري عددهم/ يطلقون الرصاص أمام مدخل المتحف”.

صعد علاء الى الطابق العلوي، واختار العبور من ممر شبه سري لا يعرفه سوى العاملين بالمتحف. اعترضه زائر تونسي في حالة فزع وهو يبحث عن ابنه وكان برفقته مجموعة من الأطفال، ذهب معه بعض الخطوات حيث وجدا الابن، ثم عاد معهما إلى “قاعة دقة”، حيث كان هناك مجموعة من السياح الايطاليين رفقة دليل سياحي كان منهمكا في تفسير معطيات حول قطعة فسيفساء .

يقول مستحضرا تلك اللحظات “أسرعت بإغلاق بوابة القاعة، وهمست له قائلا، هناك عملية إرهابية”، لكنه لم يصدق في البداية ظنا منه أن المسألة تتعلق بتدريبات لعناصر من الجيش، ثم سرعان ما وقف على حقيقة الأمر وتبينت له خطورته حين نظر من الشرفة. وبتفطن الجميع الى جدية الأمر لزموا أماكنهم وحاولوا الالتصاق بالجدران، وجلس البعض القرفصاء وأحكم علاء إغلاق مدخل القاعة بقضيب حديدي سميك يعود إلى عهد البايات”، وفق روايته.

في تلك اللحظات بدأ الإرهابيون يدخلون الى المتحف، وأيقن الجميع خطورة ما يجري بالمكان بعد أن ظن علاء أن الارهابيين هدفهم مجلس نواب الشعب.

يضيف المتحدث “لم أظن أنهم يطلقون النار صوب المتحف، فقد ظننت أن هدفهم السياسيين، ولم يخطر ببالي أنهم يحاولون قتل مدنيين أبرياء وسياح جاؤوا للاطلاع على التاريخ والآثار”.

نصحهم بمواصلة الاختباء في قاعة دقة، قبل أن يخرج لاستجلاء الأمر خارجها، وبمروره من قاعة الى أخرى لاحظ وجود عدد كبير من الأشخاص في قاعة قرطاج ملطخين بالدماء. “كان منظرا مرعبا ومفزعا لن أنساه ما حييت”، هكذا وصف علاء ذلك المشهد، مستحضرا إياه بكل التفاصيل.

وأضاف أنه لن ينسى أيضا ذلك السائح الذي كان ملطخا بالدم، وحين طلب منه علاء الدخول إلى قاعة دقة مع البقية رفض ذلك طالبا منه المساعدة على استقدام زوجته التي كانت في مكان بعيد عن قاعة دقة، إلا أنه بمجرد الذهاب معه، لاحظ أن المراة تنزف وتكاد تفارق الحياة، وكانت الضربات مستمرة من جانب الارهابيين، فطلب منه علاء الرجوع الى القاعة حفاظا على سلامته، إلا أن الرجل أبى وتمسك بالذهاب إلى جانب زوجته قائلا “أريد أن أموت بجانبها”.

//يتبع//

وام/مصط/زاا/سرا/زمن

Leave a Reply

Your email address will not be published.